فرط الحركة اضطراب يضعف التركيز والانتباه 18-01-2026
تعد حالات فرط الحركة ونقص الانتباه، اضطراباً عصبياً نمائياً يؤثر بشكل مباشر في طريقة تطور الدماغ ووظائفه التنفيذية، مثل: التركيز والانتباه، وضبط السلوك، والتحكم في الانفعالات، وتنظيم النشاط الجسدي، ويظهر الاضطراب عادة في مرحلة الطفولة المبكرة، ويمكن أن يستمر حتى مراحل المراهقة والبلوغ إذا لم تتم إدارته علاجياً وسلوكياً ونفسياً بشكل صحيح. في السطور التالية يسلّط الخبراء والاختصاصيون الضوء على هذا الموضوع تفصيلاً.
يقول د. وليد العمر، مختص الطب النفسي، إن اضطراب فرط الحركة يتمثل في معاناة الأطفال من صعوبة البقاء منتبهين لفترات طويلة، ويظهر عليهم أيضاً سلوك مفرط في الحركة أو الاندفاع دون التفكير في العواقب، وقد تنعكس هذه الأعراض على تحصيلهم الدراسي، وسلوكهم في المدرسة، وقدرتهم على بناء علاقات اجتماعية صحية.
ويتابع: «يصيب اضطراب فرط الحركة الأطفال من مختلف الخلفيات الاجتماعية والثقافية، وتشير الدراسات إلى أنه يُشخص بشكل أكثر شيوعاً لدى الذكور، ومع ذلك، فإن الفتيات قد يُظهرن أعراضاً بطرق أكثر هدوءاً ودقة، مثل: أحلام اليقظة أو صعوبة التنظيم، ما يؤدي أحياناً إلى عدم ملاحظتهن أو تأخر التشخيص».
ويشير إلى أن الأطفال الذين لديهم تاريخ عائلي للإصابة باضطراب فرط الحركة، أو ممن يعانون تحديات نمائية معينة، يكونون أكثر عرضة للإصابة بهذا الاضطراب، لذلك، يُعد الرصد المبكر والمتابعة الدقيقة من قبل الأهل والمعلمين والمتخصصين عاملاً أساسياً في تقديم الدعم المناسب للأطفال المعرضين للخطر، وضمان حصولهم على التدخلات اللازمة في الوقت المناسب.
يبين د. العمر أن أعراض اضطراب فرط الحركة تنقسم على الأغلب إلى ثلاث فئات رئيسية، هي: ضعف الانتباه، وفرط النشاط، والاندفاعية، وتشمل العلامات صعوبة في التركيز، سهولة التشتت والانشغال بالمؤثرات المحيطة، فرط في الحركة أو التململ، الكلام المفرط، أو التصرف باندفاع دون التفكير في العواقب.
ويضيف: «عادة ما تبدأ السلوكيات بالظهور في مرحلة الطفولة المبكرة بين سن 3 إلى 6 سنوات، وربما لا تكون واضحة تماماً في البداية، ولكنها تصبح أكثر وضوحاً عندما ينخرط الطفل في بيئة مدرسية تتطلب الانضباط والالتزام بروتين يومي وهيكل منظم، ما يُسلّط الضوء على صعوبة تكيفه مع تلك المتطلبات مقارنة بأقرانه».
التململ والوثبيوضح د. فيشروت سينغ، مختص طب الأطفال، أن اضطراب فرط الحركة هو حالة من النشاط الزائد، فبينما يكتفي بعض الصغار بالتلوين لساعات أو اللعب بهدوء بالمكعبات لنصف يوم، لا يستطيع آخرون الجلوس ساكنين لدقيقتين، وقد يميل هؤلاء الأطفال إلى التململ والقفز والوثب، أو حتى تسلق الجدران في معظم الأوقات.
ويتابع: «لا يُعد اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط السبب الوحيد لاضطراب الحركة لدى الأطفال، ومن الأسباب الشائعة الأخرى: التوتر، وعدم الحصول على النوم الجيد، وقلة ممارسة الرياضة، واضطرابات القلق، والإفراط في استخدام الشاشات، وبعض الحالات الطبية مثل فرط نشاط الغدة الدرقية».
ويذكر د. سنغ أن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه في جوهره وراثي وعصبي بيولوجي، إلا أن بعض العوامل قد تُفاقم الأعراض، أو تزيد من خطر الإصابة به، وتشمل غياب الروتين اليومي المنتظم، وقلة النوم، والتعرض المفرط للضغط النفسي، كما يؤدي سوء التغذية، وخاصة الأنظمة الغذائية الغنية بالأطعمة المصنعة والسكريات، إلى تفاقم مشاكل الانتباه والسلوك لدى بعض الأطفال.
ويتابع: يتسبب التعرض للتدخين أو شرب الكحول أثناء الحمل، والإهمال في الطفولة المبكرة، وقلة النشاط البدني، في التأثير السلبي على الانتباه والقدرة على ضبط النفس؛ لذا، فإن تهيئة بيئة داعمة تتضمن روتيناً يومياً منتظماً، وعادات نوم صحية، وتغذية متوازنة، ونشاطاً بدنياً منتظماً، من شأنه أن يُساعد على تخفيف حدة الأعراض وتحسين الأداء العام للطفل.
ويؤكد د. سنغ أن تشخيص اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، يعتمد على مجموعة من المعايير المذكورة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، ويشمل تقييماً سريرياً شاملاً يُجريه مختص مُدرب، مثل طبيب الأطفال، أو الطبيب النفسي، أو طبيب أطفال متخصص في النمو.
ويضيف: «يجب أن تظهر الأعراض في أكثر من بيئة مثل المنزل والمدرسة، وأن تستمر لمدة ستة أشهر على الأقل، وأن تكون غير مناسبة لعمر الطفل النمائي، كما يجب استبعاد حالات أخرى، مثل صعوبات التعلم، والقلق، واضطرابات النوم، أو مشاكل السمع والبصر، قبل تأكيد التشخيص».
المضاعفات الشائعة
يواجه الأطفال المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه صعوبات في جوانب عديدة من حياتهم، وخاصة في حال عدم إدارة حالتهم بشكل سليم، وفقاً لمختصة علم النفس السريري، فداء حسن، وتلفت إلى أن المضاعفات الشائعة لهذه المشكلة تشمل: ضعف الأداء الدراسي، وانخفاض تقدير الذات، ونوبات الغضب، عدم سهولة تكوين العلاقات مع الأقران، كما يُصاب العديد من الصغار بالقلق أو الاكتئاب أو مشاكل سلوكية نتيجة للنقد والإحباط المتكررين، كما تؤثر هذه الحالة في ديناميكيات الأسرة أيضاً، ما يزيد من التوتر والصراعات في المنزل.
وتؤكد فداء حسن أن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لدى الأطفال يتطلب نهجاً شاملاً ومُخصصاً لكل حالة، ويُعد العلاج السلوكي وتدريب الوالدين أساسيين، لا سيما للأعمار الصغيرة، بينما تُسهم التسهيلات المدرسية في تحسين التعلم والتركيز، كما يُمكن للدعم النفسي تعزيز القدرة على تنظيم المشاعر والمهارات الاجتماعية، وفي الحالات المتوسطة إلى الشديدة، يُمكن استخدام الأدوية تحت إشراف طبي، ويؤدي الروتين الثابت، والنوم الكافي، والنشاط البدني المنتظم دوراً داعماً مهماً.
وتضيف: «يمكن للآباء دعم طفلهم المصاب بهذا الاضطراب من خلال توفير بيئة منظمة، وروتين يومي واضح، وتعليمات بسيطة، يُسهم التعزيز الإيجابي والثناء على الجهد المبذول في بناء الثقة بالنفس وتشجيع السلوك الجيد، ويُعد الحفاظ على الهدوء، ووضع حدود واضحة، وتجنب العقاب القاسي أموراً أساسية، والأهم من ذلك، يجب على الآباء أن يتذكروا أن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه هو حالة عصبية، وليس نقصاً في الانضباط، وأن التعامل بصبر وتفهم يُحدث فرقاً كبيراً».
خطة للتغذية
يعتبر العلاج الدوائي والسلوكي والدعم النفسي، ركائز أساسية في إدارة حالات فرط الحركة ونقص الانتباه، وتعد خطة التغذية المتكاملة أيضاً أداة فعالة يمكن أن تُحدث فرقاً كبيراً في حياة الطفل المصاب، وخاصة عند دمجها مع العلاجات الأخرى لكونها تلعب دوراً مهماً في تعزيز النتائج وعدم تفاقم الأعراض.
ينصح الخبراء بعدم تخطي الوجبات الأساسية، والحد من تناول السكريات أو الكربوهيدرات، وتقليل الألوان الصناعية والمواد الحافظة، والسكريات المكررة، والمشروبات الغازية أو مشروبات الطاقة، والوجبات السريعة والجاهزة منخفضة القيمة الغذائية، وتضمين الفيتامينات والعناصر الأساسية الداعمة للانتباه والسلوك؛ حيث تعمل التغذية السليمة على النوم الجيد، وتحسين التركيز والانتباه، وتنظيم المزاج والانفعالات، وتقليل فرط النشاط، وتعزيز الاستجابة للعلاج السلوكي والدوائي، إذ تساعد البروتينات والكربوهيدرات المعقدة، مثل: البيض، الزبادي، الكينوا، الشوفان، والبطاطا الحلوة في استقرار سكر الدم ودعم الانتباه. كما أن تناول الأطعمة الغنية بأوميجا 3، مثل السلمون، الجوز، بذور الشيا، وزيت الكتان، تعد من الدهون المفيدة لصحة الدماغ والناقلات العصبية.
ويسهم عنصر المغنيسيوم في تهدئة الجهاز العصبي وتحسين النوم، ويمكن الحصول عليه من السبانخ، اللوز، الشوكولاتة الداكنة، الأفوكادو. ويحفز الحديد والزنك إنتاج الدوبامين وتحسين الوظائف العصبية، وتعتبر اللحوم الحمراء، البقوليات، البيض، بذور القرع العسلي من أهم المصادر الغنية بهذين العنصرين الغذائيين.