• ×

10:44 مساءً , الأربعاء 26 أبريل 2017

التحصين، رؤية إسلامية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إن الذي دفعني لهذه الكتابة هو:
أولا: حديث بعض وسائل الإعلام عن علاقة التحصين (في الطب التجريبي المعاصر) بالصهيونية التي لا تأتي بخير لبلاد المسلمين.
ثانيا: انتشار ما يعرف بالطب البديل (الوقائي والعلاجي) دون تقنين علمي صحيح (لا شرعا ولا تجريبا) لكثير من فروعه.
ثالثا: اهتمامي بالبحث عن المنهج الصحيح للإسلام في الطب الوقائي والعلاجي.
إن آلية البحث العلمي عند المسلمين تكون بطريقتين:
- الأولى بالمنهج الشرعي القطعي (أي بالنقل الصريح من القرآن الكريم والصحيح من السنة المطهرة).
- الثانية بالمنهج التجريبي الظني (أي بالعقل الصريح وليس بما يسمى بالاستبطان).
التحصين في الشريعة الإسلامية:
أجمع العلماء(1) على التعوذ (أي التحصن أو الوقاية من المكروه قبل وقوعه)، ويستحب أن يتحصن من كل شيء يخافه الإنسان من الإنس والجن(2) أو غيرهما.
إن هدي الإسلام في الطب الوقائي قد جاءنا مفصلا من عند الله سبحانه وتعالى خالق الداء والدواء ومنزل الشفاء، ونفعه للبشرية قطعي ثابت بالأدلة الشرعية الصحيحة. لذا علينا أن نبدأ به الوقاية دائما. لأن العبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة(3) بعض حاجته، قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به، بقدر ما اعتاض من غيره. بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع؛ فإنه تعظم محبته له ومنفعته به، ويتم دينه، ويكمل إسلامه(4).
قال تعالىوَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(5). وقال صلى الله عليه وسلم(...وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله...)(6). كما قال صلى الله عليه وسلم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)(7).
وقال الإمام الشافعي-رحمه الله-في ديوانه:
كـل العلـوم سـوي الـقـرآن مشغـلـة *
إلا الحديـث وعلـم الفقـه فـي الـديـن
علـم مـا كــان فـيـه قــال حدثـنـا *
وما سوي ذلك وسواس الشياطين(8).
التحصين في الطب المعاصر:
أما التحصين أو التطعيم، في الطب المعاصر، فقد أُثبِت نفعه بالبحوث التجريبية الظنية التي قد يعتريها التغيير. لذا لا يجوز أن نجزم بالفائدة القطعية له ونلزم به جميع الناس. فهو قد يفيد في الوقاية من الأمراض وقد لا يفيد وقد تصاحبه بعض الآثار الجانبية الضارة. والرسالة التي يوجهها الإسلام في مثل هذه الأمور الظنية هي أن يستخير الفرد، المعني، ربه سبحانه وتعالى بالطريقة المأثورة عن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. ثم بعد ذلك يحدد هل يقوم بالفعل أم يتركه.
نماذج من هدي الإسلام في الوقاية من الأمراض:
إن الوقاية في منهج الإسلام تبدأ بالمحافظة على الصحة بتناول الطيبات من الطعام والشراب (خاصة عسل النحل واللبن) مع عدم الإسراف.
كذلك يكون التحصين بالاستعاذة وقراءة القرآن والأدعية الثابتة عن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ((كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيها: (قل هو الله أحد) و(قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الناس) ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات))(9). وأشار الإمام ابن القيم إلى أن في المعوذتين الاستعاذة من كل مكروه جملةً وتفصيلا ... وأن لهما شأن عظيم في الاحتراس والتحصن من الشرور قبل وقوعها.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً فإنَّ البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله شيطان)(10).
كما قال صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات لم يضره شيء))(11).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين بقوله: ((أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة) ويقول: (إن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل واسحق))(12).
كما تكون الوقاية أيضا بالالتزام بالأوامر الإلهية الأخرى كتعلم العلم الشرعي والمحافظة على الطهارة وعلى الصلوات والعبادات الأخرى والصبر على الابتلاء والتوبة والاستغفار والبعد عن المعاصي وعن البدع والأهواء قال تعالى: (أَلآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اْللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ اْلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ اْلْبُشْرَىَ فيِ اْلْحَيَاةِ اْلدُّنْيَا وَفيِ اْلآخِرَةِ)(13).
نسأل الله تعالى أن يوفق كوكبة من العلماء، من أطباء وفقهاء وغيرهم، للقيام بجمع المنهج الصحيح للإسلام في مفهوم الموت والبعث وأسباب المرض وطريقة الوقاية منه وعلاجه. ونسأله تعالى أن يعينهم على نشر هذا المنهج بين الكوادر الطبية المختلفة وبين عامة الناس كتثقيف صحي وعبادة تنفعهم في دينهم ودنياهم.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
---------------
الهوامش:
(1) الفواكه الدواني: 2/434, المجموع شرح المهذب: 4/522.
(2) فبالإضافة للوقاية من الأسباب المادية المعروفة بالمنهج التجريبي، هنالك أيضاً الوقاية من الأسباب الغيبية الثابتة بالنقل الصحيح من القرآن والسنة، مثل العين والسحر والحسد.
(3) الأخذ من غير الأعمال المشروعة أي الأخذ من الأعمال المباحة التي سكت عنها الشرع ولم يحدد حكمها من حيث أنها حرام أو مكروهة.
(4) تحريم مشاركة الكفار في أعيادهم، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
(5) سورة الأنعام: الآية 153.
(6) صحيح مسلم، باب الحج، حج النبي صلى الله عليه وسلم.
(7) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه الحاكم وقال على شرط الشيخين.
(8) ما فهمته من هذه الأبيات من شعر الإمام الشافعي-رحمه الله-هو أن على المسلم أن يجتهد في تأصيل كل العلوم المعاصرة (النظرية والتطبيقية) بالرجوع إلى ما قال الله تعالى وبما حدث به رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. والذي نجده فيهما نلتزم به وما لم نجده نستخير الله تعالى عليه، إن كان مباحاً.
(9) البخاري: 9/63.
(10) مسلم: 3/68.
(11) رواه الترمذي، رقم (3385).
(12) البخاري: 6/386.
(13) سورة يونس: الآيات 6264.

بواسطة : admincp
 0  0  2916
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:44 مساءً الأربعاء 26 أبريل 2017.