رُهاب الآثار الجانبية.. يصرف المرضى عن تناول الدواء

توفر النشرة الطبية التي تأتي مع الدواء معلومات مهمة حول الآثار الجانبية المحتملة لهذا العقار، لكن في حال كنت تفكر وتشعر بالقلق من أن هذه الأعراض الجانبية ستحدث معك، فهنالك احتمال كبير أن تصيبك، وفقاً لأبحاث علمية جديدة.

هذا الأمر يعرف بتأثير «نوسيبو» أو الوهم المرضي «Nocebo Effect»، ويحدث هذا التأثير بسبب التوقعات السلبية للمريض؛ كأن يتوقع آثاراً سلبية لدواء معين فيعاني الأعراض التي توقعها حتى لو كان الدواء مادة خاملة، وذلك على عكس تأثير «بلاسيبو» الذي يحدث نتيجة توقعات المريض الإيجابية.
كما أظهرت دراسة أجريت على العقاقير المخفضة للكوليسترول «ستاتين» في كلية لندن الإمبراطورية الشهر الماضي، فإنه إذا كان المريض يظن بأن الدواء سيجعله يشعر بالمرض ويسبب له آثاراً جانبية، فإن ذلك سيحدث حقيقة حتى لو كان الدواء مجرد حبة مزيفة.
ويشير عدد متزايد من الأبحاث إلى أن هذه الظاهرة يمكن أن تؤدي إلى عزوف المرضى عن تناول العقاقير المخفضة للكوليسترول وعلاجات السرطان والأدوية الحيوية الأخرى لأنهم يعتقدون بأنها تسبب لهم آثاراً جانبية غير سارة.الوهم المرضيوهنالك نحو الخمس من ثمانية ملايين مريض في المملكة المتحدة وصفت لهم أدوية الستاتين، إما أنهم توقفوا عن تناول الأقراص أو رفضوا تناولها من الأصل، بسبب مخاوف من أنها ستسبب لهم آلاماً في المفاصل والإرهاق وكذلك آلاماً في العضلات. وتعمل هذه الأدوية على خفض مستويات الكوليسترول الذي يؤدي إلى انسداد الشرايين، وبالتالي تقلل من خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية.وقد يكون الألم العضلي الذي يعانيه البعض ناتجاً عن تسبب الستاتين في حدوث تسرب لمعدن الكالسيوم من خلايا العضلات، مما يؤدي إلى تضررها، ولكن يعتقد بأن بعض المشكلات التي يعتبرها المرضى آثاراً جانبية ليست بسبب الدواء على الإطلاق، لكن بسبب تأثير «نوسيبو».وفي أحدث دراسة، درس الدكتور جيمس هوارد، طبيب القلب في كلية لندن الإمبراطورية، حالة 60 مريضاً توقفوا عن تناول خافضات الكوليسترول بسبب آثارها الجانبية. ووصف الطبيب لكل مريض 12 زجاجة من الأقراص وطلب منهم تناول هذه الأقراص لمدة عام.واحتوت 4 من الزجاجات على 20 ميليجراماً من أقراص الستاتين أتورفاستاتين، و4 زجاجات أخرى على أقراص سكر متطابقة المظهر، في حين كانت الزجاجات الـ 4 الأخيرة فارغة. وسمحت الأيام التي لم يتناول فيها المرضى العلاج للباحثين معرفة ما إذا كانت آلام العضلات، على سبيل المثال، لا تزال تحدث عند المرضى، وما إذا كان سبب ذلك التهاب في المفاصل. وإذا كان الأمر كذلك، درس الباحثون ما إذا كانت العقاقير المخفضة للكوليسترول قد زادت الأمر سوءاً أو أنها لم تؤثر في الألم.وطُلب من المرضى الذين لم يعرفوا أي من الزجاجات تحتوي على الستاتين والعقار الوهمي، تسجيل أي آثار جانبية يشعرون بها على تطبيق هاتف ذكي كل يوم، وتقييمها من صفر (بدون أعراض) إلى 100 (أسوأ الأعراض).وفي الأشهر التي لم يتناول فيها المرضى الأقراص، كان متوسط درجة الآثار الجانبية 8 درجات. وارتفع هذا الرقم إلى 15.4 درجة في الأشهر التي تناولوا فيها حبوب السكر، وكانت النتيجة أعلى قليلاً، عند 16.3 درجة، خلال الأشهر التي تناولوا فيها عقار الستاتين. وهذا ما يدل على أنه بمجرد تناول المرضى الأقراص، بغض النظر عن ماهيتها، سينتابهم شعور بأنها ستسبب لهم آثاراً جانبية، ما يؤدي إلى شعورهم بالإعياء.وأتت المزيد من الأدلة على تأثير «نوسيبو» من البيانات المتعلقة بعدد المرات التي توقف فيها المتطوعون عن تناول الحبوب؛ حيث قيل لهم بأن بإمكانهم التوقف عن أخذها لمدة شهر واحد خلال فترة الدراسة.وذكرت دورية «نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسن»، أنه تم تسجيل 31 حالة توقف عن تناول الدواء خلال أشهر التداوي بالعلاج الوهمي، أي أقل بقليل من 40 حالة عزوف في أشهر العلاج بأقراص الستاتين.وفي ذلك يقول الدكتور جيمس هوارد، المشرف على الدراسة: «لقد خلصنا إلى أنه عندما لا تناول المرضى الأقراص، فإنهم يشعرون بحالة جيدة عموماً، على الرغم من عدد تناولهم العلاجات التي يمكن أن تقلل لديهم مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية».ويضيف: «لقد شعر المرضى بالإعياء عندما تناولوا العقاقير المخفضة للكوليسترول، لكنهم أيضاً شعروا بنفس الآثار الجانبية عندما تناولوا أقراص السكر. وفي الواقع أن 90% من الأعراض الجانبية التي ظهرت على الأشخاص الذين أخذوا أقراص الستاتين، كانت هي ذاتها عندما تناولوا العلاج الوهمي».مخاوف المرضىوعلى الرغم من أن العقاقير المخفضة للكوليسترول تسبب آثاراً جانبية، فإنه على ما يبدو أن معظم الأعراض الموهنة لم تكن ناجمة عن الدواء، لكن بسبب اعتقاد المرضى بأنها ستجعلهم يصابون بالإعياء. وهذا الأمر لا يقتصر فقط على عقاقير الستاتين؛ بل وجدت أبحاث سابقة أدلة على تأثير ظاهرة «نوسيبو» على المرضى الذين يتعاطون أي شيء، من المسكنات إلى الأدوية المضادة للصداع النصفي إلى أدوية السرطان.ووجدت دراسة ألمانية أجريت على أكثر من 100 امرأة تناولن عقار «تاموكسيفين» لمنع تكرار الإصابة بسرطان الثدي بعد استئصاله (وهذا الدواء يؤثر في هرمون الأستروجين ويمكن أن يؤدي إلى الهبات الساخنة وأعراض أخرى تشبه انقطاع الطمث) أن النسوة اللواتي توقعن المعاناة من الهبات الساخنة والإعياء والأعراض الجانبية الأخرى، عانين من تلك المشاكل بواقع الضعف بالمقارنة مع النساء اللواتي توقعن إصابتهن بأعراض جانبية خفيفة أو عدمه. وذكرت مجلة «أنيوالز أوف أونكولوجي» في عام 2016، أن النساء اللواتي تناولن حبوب «تاموكسيفين»، كن أكثر عرضة للتوقف عن تعاطيها.وفي حين أنه من الصعب تحديد مدى شيوع تأثير «نوسيبو» في بعض التجارب الدوائية، فإن أكثر من نصف الأشخاص الذين يتناولون أقراص الدواء الوهمي يعانون نفس الآثار الجانبية لتلك الموجودة في الحبوب الدوائية الفعالة.وقد تتزايد مخاوف المرضى بشأن الآثار الجانبية في الدراسات والتجارب، نظراً للكم الهائل من التفاصيل التي تروى لهم عن إيجابيات وسلبيات العلاج المحتملة، وهذا ما يجعل تأثير «نوسيبو» أكثر قوة، وفقاً لـ فيليسيتي بيشوب، اختصاصية علم النفس في جامعة «ساوثهامبتون» والتي تبحث في تأثير الدواء الوهمي. ومع ذلك، قد يحدث ذلك عندما نتناول دواء يصفه الطبيب. وتقول الدكتورة بيشوب: «قد يكون الأمر أقل شيوعاً، لكننا بحاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث حول ذلك».القلق والتشاؤمتكشف الدراسات عن أن تأثير «نوسيبو» يكون أكثر انتشاراً بين أولئك الذي يعانون القلق والتشاؤم، وهي مجموعة تميل إلى التركيز على السلبيات أكثر من الإيجابيات.وفيما يتعلق بأسباب ذلك، فإن الآلية البيولوجية الدقيقة غير واضحة، لكن يبدو أن هرمون كوليسيستوكينين، الذي يساعد على الهضم، يلعب دوراً في ذلك.عوامل كيميائية حيوية يوضح الدكتور جيمس هوارد: «هنالك عوامل كيميائية حيوية تتسبب بذلك؛ إذ تزداد مستويات هرمون كوليسيستوكينين في حالة النوسيبو، وهذا ما يجعلنا أكثر حساسية تجاه الألم».إن سبب ارتفاع مستويات الكوليسيستوكينين في تأثير «نوسيبو» غير معروف حتى الآن، ولكن قد يكون سبب ذلك الخوف أو القلق، وفي ذلك تقول الدكتورة بيشوب: «إن تأثير نوسيبو له تأثيرات فسيولوجية قابلة للقياس على الناس، ونحن نعلم أن المعاناة من الآثار الجانبية هي سبب توقف المرضى عن تناول الأدوية التي يمكن أن تكون مفيدة جداً لهم، لذلك، في حال تمكنا من إيجاد طريقة لتقليل آثار الوهم المرضي، سيكون ذلك مفيداً جداً»، مضيفة: «قد تكون إحدى الوسائل تكمن في إخفاء الآثار الجانبية المحتملة عن المرضى، لكن هذا سيكون مشكلة كبيرة لأن المرضى يريدون أن يعرفوا ما يمكن أن يحدث عندما يتناولون الدواء». وهناك حل بسيط آخر مثل أن يقوم الطبيب بمناقشة العلاج مع المريض، الأمر الذي يزيل بعض مشاعر القلق عن المريض، وكذلك شرح تأثير «نوسيبو» للمريض، على أمل أنه في حال واجه أي أعراض جانبية غير مرغوبة، فلن يلوم الدواء تلقائياً

التعليقات مغلقة